فخر الدين الرازي
293
القضاء والقدر
الشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يكون مكروها ومرادا معا . وإذا لم يكن مرادا للّه تعالى ، وجب أن لا يكون مخلوقا له ، لأن الخلق لا يحصل إلا بالإرادة . ويقرب منه الاستدلال بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أبغض المباحات إلى اللّه الطلاق » « 1 » دل النص على أن الطلاق مبغوض للّه ، والمبغوض لا يكون مرادا وما لا يكون مرادا للّه لا يكون مخلوقا له . الحجة الثالثة : ما روى أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي . ثم ليقل : « اللهم افتح لي أبواب رحمتك » وإذا خرج فليسلم ، وليقل : « اللهم أجرني من الشيطان » « 2 » ولو كان فعل الشيطان قد حصل بإيجاد اللّه تعالى ، لوجب أن يقول : اللهم أجرني منك . وهكذا القول في سائر الأدعية . كقوله : « أعوذ بك من شر كل شيء ، أنت آخذ بناصيته » « 3 » لأن كل الشرور من اللّه تعالى على قول المجبرة . الحجة الرابعة : روى سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عبد اللّه بن قيس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما أحد أصبر على أذى سمعه ، من اللّه ، يجعلون له ندا ، ويجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم » « 4 » وجه الاستدلال به : إن المراد من هذا الصبر شدة كراهية اللّه تعالى لهذا الكلام . وذلك يدل على أنه تعالى يكرهه ، وإذا كان كذلك ، وجب أن لا يكون اللّه خالقا له ، لأن من لم يكن ملجأ للفعل ولا ساهيا ، فإنه إذا كان لا يريده لم يفعله . الحجة الخامسة : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » « 5 » وجه الاستدلال به : أنه
--> - وفي الأدب باب عقوق الوالدين من الكبائر ( 8 / 4 ) ومسلم في الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة ( 3 / 1341 رقم 593 ) عن المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه . ( 1 ) حديث « أبغض المباحات . . » رواه أبو داود في الطلاق باب في كراهية الطلاق ( 2 / 261 رقم 2178 ) عن ابن عمر رضي اللّه عنه . موصولا ومرسلا . وابن ماجة ( 1 / 650 رقم 2018 ) . والحاكم ( 2 / 196 ) . ورواه البيهقي مرسلا . ورجح أبو حاتم والدارقطني في العلل والبيهقي المرسل . وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية بإسناد ابن ماجة وضعفه بعبيد اللّه بن الوليد الوصافي وهو ضعيف ولكنه لم ينفرد به فقد تابعه معروف ابن الواصل إلا أن المنفرد عنه بوصله محمد بن خالد الوهبي . . . ( تلخيص الحبير 3 / 205 والعلل المتناهية 2 / 638 ) . ( 2 ) حديث « إذا دخل أحدكم المسجد . . . » رواه ابن ماجة في المساجد والجماعات باب الدعاء عند دخول المسجد ( 1 / 254 رقم 773 ) . وابن حبان ( موارد الظمآن ص 101 رقم 321 ) . والحاكم والنسائي - في الكبرى - ( الفتح الكبير 1 / 106 ) والحديث قد روى نحوه حميد وأبو أسيد رواه أحمد ، ومسلم أبو داود والنسائي وابن حبان والبيهقي ( الفتح الكبير 1 / 106 - 107 ) . ( 3 ) حديث « أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته » رواه مسلم في الذكر والدعاء باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع ( 4 / 2084 رقم 2713 ) وأبو داود في الأدب باب ما يقول عند النوم ( 4 / 314 رقم 5051 ) والترمذي في الدعوات باب من الأدعية عند النوم ( 5 / 472 رقم 3400 ) وابن ماجة ( 2 / 1274 رقم 3873 ) . وأحمد ( 2 / 381 و 404 و 536 ) . ( 4 ) حديث « ما أحد أصبر على أذى . . . » رواه البخاري في التوحيد باب قول اللّه تعالى هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 9 / 141 ) ومسلم في صفات المنافقين باب لا أحد أصبر على أذى من اللّه عز وجل ( 4 / 2160 رقم 2804 ) وأحمد ( 4 / 395 و 401 و 405 ) عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه . ( 5 ) تقدم تخريجه .